عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

324

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

في الروايا عوضا عن الماء يسقيه الناس كما يفعل بالماء في طريق مكة . وفي ذلك يقول ابن دحيّة : « فخرج في ساعته بروايا الخمر تزجى بنغمات حداة الملاهي وتساق ، حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفساق ، فأقام بها سوق الفسق على ساق ، وفي ذلك العام أخذه اللّه وأهل مصر بالسنين حتى بيع في أيامه الرغيف بالثمن الثمين ، وعاد ماء النيل بعد عذوبته كالغسلين » . نهر النيل : وقد كان الخلفاء الفاطميون يهتمون اهتماما كبيرا بنهر النيل ويراقبون تغيراته ، وقد جعلوا له مقياسا خاصا لقياس زيادة مياهه أو نقصانها . ولهذا أثر كبير في حياة مصر واقتصادها ، حيث كان المصريون يقيمون الأعياد وتعد الموائد والأطعمة المختلفة والأفراح احتفاء بزيادته . « فإذا اذن اللّه سبحانه وتعالى بزيادة النيل المبارك . . . . أمر أن يحمل إلى المقياس في تلك الليلة من المطابخ عشرة قناطر من الخبز السميذ ، وعشرة من الخراف المشوية ، وعشرة من الجامات الحلواء وعشر شمعات ، ويؤمر بالمبيت في تلك الليلة بالمقياس ، فيحضر اليه قراء الحضرة والمتصدرون بالجوامع بالقاهرة ومصر « 1 » » . أما وقت نقصان مائه فيقيمون لذلك عيدا يسمونه « عيد الشهيد » ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد في كل سنة حتى يلقى النصارى فيه تابوتا من خشب فيه إصبع من أصابع أسلافهم الموتى . وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرى من ضواحي القاهرة ، حيث يكون شرب وخمر ولهو ماجن خليع ، « ويباع من الخمر خاصة في ذلك اليوم بما ينيف على مائة درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهبا » أي ما يعادل خمسة آلاف دينار ذهبا . وقد ظل المصريون يحتفلون بهذا العيد في عهد الفاطميين إلى أن أبطله الأمير بيبرس ، ثم أعاده ثانية الملك الناصر محمد بن قلاوون . يقول المقريزي : « فلما كان اليوم الذي كانت العادة بعمله فيه ركب الأمراء النيل ، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللهو والخلاعة فركبوا النيل ، وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات ، وتوسع الأمراء في تنوع الأطعمة والحلاوات وغيرها توسعا خرجوا فيه عن الحد في الكثرة البالغة ، وعم الناس منهم ما لا يمكن وصفه لكثرته واستمروا على ذلك ثلاثة أيام « 2 » » .

--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 476 . ( 2 ) نفس المصدر : ج 1 - ص 46 .